كعادتي أسير محاكية قسمات الشوارع و الطرقات .. مقتفية آثار المتعبين الباحثين عن وهج الحياة بكسرة ابتسامة أو أغنية .. بدأت جولتي المعتادة في شارع الإستقلال في تقسيم أشبه الأماكن بي برواقها و فوضاها و جنونها و صراعاتها و تناقضاتها .. النار و النعيم .. فحش الثراء و الفقر .. الحالم و المنهك من الحلم .. الباحث عن السعادة في جامع أو في بار .. كلهم يجتمعون هنا في قلب المدينة ..

و أنا أسير .. ألتقط على الطريق شاب تركي ذا شكل غريب يغني بطاقة صوت هائلة أغنية تركية قديمة ذات حنين و شجن .. صوته أشبه بالذي يحاول أن يحيا من بين براثن الموت .. تجرأت بسؤاله عن ” شعره الطويل المنكوش ” يخبرني أنه لا يحب أي شكل من أشكال الحداثة حتى أن كل ما يفعله بشعره هو غسله و تركه ينمو على طبيعته دون أدنى تسريح أو اضافة رغم طبيعته الخشنة !! .. سألته عن اسمه فإذا به اسم غريب أيضا معناه modern أي حديث 😂.. لم أتمالك نفسي من الضحك فكم منا يصارع أسماء أطلقها علينا آبائنا و يحيى على النقيض منها تماما و كم منا يحاول مقاومة اجتياح المادة لذواتنا بأساليب غريبة تحيلنا إلى مجانين متمردين عن دوائر الإنتماء لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء .. حالة هذا الشاب كانت اختزالا لحالة نصف البشر على الكرة الأرضية الآن أو أكثر !!..

مضيت عنه أسير و إذ بشباب يصورون فلما قصيرا عن تركيا يريدون إجراء لقاءات مع الناس في الشارع .. لكن مخرج العمل طلب مني شيئا واحدا ألا و هو أن أبتسم أمام الكاميرا ” ابتسامتك جميلة ولا نريد أكثر منها ” هكذا قال .. كتمت ضحكتي التهكمية ذات الصوت العالي هذه المرة .. فمنذ سنوات كان عملي يتمركز حول الابتسام للكاميرا .. الكثير من الإرهاق و الصراعات و الدموع كانت تدور وراء كواليس العمل و الحياة .. ثم مع كلمة ” كيو ” يلقي بها المخرج على مسامعي أبتسم و أحيي المشاهدين و كأن شيئا لم يكن .. هذه المرة جاء من يختصر لي عملي و حياتي بصدق عفوي .. ” ابتسمي أمام الكاميرا ” .. فليكن ..تلك هي ابتسامتي ..لكن لا تقنعوا أحدا أنكم أحسنتم قراءة وجه الحياة الحقيقي من خلالها..

مضيت إلى أن حطت رحالي أمام عزف استثناءي للأغنية الشهيرة ” فطومة .. خبيني ببيت المونة .. بكرة لما بييجي البرد .. ما في غيري كانونة ” .. كانت الموسيقى بمثابة كانون لي لحظتها ..

رجل كبير يعزف على آلة القانون باحتراف مطلق و كأنه يراقص الآلة بشغف و شاب يعزف على الجيتار ..

تنتقل الأنغام لألحان ” نسم علينا الهوى ” الأغنية التي لا أتمالك نفسي من دندنتها .. يعزفون برواق و أدندن باندفاع طفولي و كأنا نستحضر أرواح البلاد في لحظات ..

طلبتهم أن يعزفوا شيئا لهادي الجويني أشهر مطربي تونس و أحبهم لقلبي فبدأوا ب ” لاموني الي غاروا مني ” ..

تتدفق الأغاني من الذاكرة واحدة تلو الأخرى و كل منها يجلب ألف حكاية من الحنين و رواية و أنا أستمع و أدندن ..

جلست معهم و شربنا القهوة .. عازف القانون كان من حلب و عازف الجيتار من الشام !! إذا يحدث أن تلتقي الجبال .. ربما تحتاج بعض الصفائح أن تنصهر فتستحيل نيرانا .. ربما يكون وهج النار أكثر آمانا من السفوح الخضراء ..ربما لكونه أقرب لحقيقتنا..

أميل لحديث الغرباء الذين لا أعرفهم ولا يعرفوني في بعض الأحيان لأننا قد نتحدث عن كل شيء دون أن نحكي شيئا و لعلها محاولة مني لإكمال صورة البشر ..لكن هيهات ..

إلتقطت بعضا من حكاياهم و مضيت على أنغام “الحلوة دي” التي غنوها لي 🙂 ..

سرت أجتهد في عجن الذاكرة ..أخبزها على وهج لحظة فرح أسترقها من الحياة ..